عمار السواد

الغاز في حرب العقائد!

عدد القراءات: 2552 | 2016/01/18 11:44

لماذا تعمل الولايات المتحدة على منع إيران من الاقتراب من الأنبار، بينما صمتت أمام مباشرة الحشد الشعبي بتحرير تكريت رغم أن الجنرال سليماني كان شريكاً فيه؟
بل أكثر، إن الولايات المتحدة ساهمت جوا في تكريت، وساعدت على بيجي بشكل كبير، رغم الكثير من اللغط حول دورها والاتهامات الموجهة من قبل الإعلام الشيعي المعارض لها. بل إن عمليات صلاح الدين، رغم خسائر الجيش والحشد والعشائر فيها، تمت بطريقة أقل تدميراً، فلم تتعرض المدينة الى تخريب بالحجم الذي تعرضت له الرمادي. الامريكيون كانوا مستعجلين بتحرير مركز محافظة الأنبار، القصف الجوي هذه المرة مكثف، والقصف المدفعي العراقي كبير. كان يمكن أن تتأخر العملية بعض الشيء، وان يكون التقدم تدريجياً كما حصل في تكريت، وبالكر والفر كما في بيجي.
أكثر من معلومة تشير الى أن الجانب الأمريكي يركز على المحافظتين العراقيتين المتاخمتين لسوريا، الأنبار ونينوى. هو من يقود العمليات بشكل غير مباشر، وبتعبير أدق أن التطورات خضعت للجدول الأمريكي، ولم يسمح لإيران أن تلعب دوراً. لهذا إن فصائل الحشد تساهم في محاصرة الفلوجة، لكن لم تقترب من عمليات الرمادي، وحين اقترب أحدها حصل بينه وبين الفرقة الذهبية التابعة للجيش تماساً كاد أن يتطور الى قتال.
فلماذا الإصرار على المناطق المتاخمة لسوريا؟
هناك سببان، أو لنقل هما فرضيتان، مرجح أنهما يكوّنان السبب الحقيقي:
الأولى: ان الامريكيين لا يريدون أي قوة تستطيع ربط العراق بسوريا في الحرب ضد داعش. بمعنى أنهم لا يسمحون للروس ولا ايران بأن يمتلكوا هذه الخصيصة البرية، لأن من يربط جانبي دولة الخلافة، يستطيع أن يسيطر على مشهد الحرب ضد داعش، وبالتالي فرض شروطه. ففي حال نجحت إيران، يعني أن الملف السوري سيحسم بالكامل بناء على توجهها، ولا يكون هناك تسوية تضمن تنازلات متبادلة من كل الأطراف.
الثانية: أنبوب الغاز. ولهذا الأنبوب قصة معقدة بدأت في 2009، حين عمدت شركة إكسون موبيل الأمريكية والتي تمتلك استثمار الغاز القطري، الى طرح مشروع مد أنبوب يتجه عبر الحدود السعودية والأردنية والسورية الى تركيا ثم أوربا. وهو ما فشل حين رفض النظام في سوريا حينها المقترح، بناء على ضغط المصدرين الرئيسيين الآخرين للغاز، روسيا وإيران. في عام 2010 طرحت إيران فكرة بديلة، وهي مد أنبوب غاز عبر العراق وسوريا ولبنان عبر البحر المتوسط الى اليونان. وكانت زيارة المالكي أواسط ذلك العام الى دمشق لهذا الغرض، وهو ما أجج غضب قطر والسعودية.
البعض يحيل الربيع العربي في سوريا الى هذا السبب طبعا، وهو كلام غير دقيق. لأن الحراك انذاك بدأ شاملاً، لا يخص بلداً واحداً. لكنها باتت فرصة لإعادة انعاش مشروع أنبوب الغاز القطري. وحين طالت القضية السورية، ولم يعد بالإمكان رؤية أفق لحلها وفق التصور المعارض لنظام بشار، جاءت التطورات الأخيرة وبات واضحاً ان احد سيناريوهات مرحلة ما بعد داعش هو إقامة اقليم سني، مؤكد انه لو اقيم سيشمل الأنبار ونينوى. وهذا ما جعل المشروع ممكن التنفيذ، ليس عبر سوريا بل العراق. أي استبدال Plan A بآخر بديل هو Plan B وبهذا فإن المهمة تكون ممكنة حين تنفيذ الإقليم، خصوصا وان تقليد الإقليم في العراق يعتمد النسخة الكردية ذات الصبغة المستقلة الى حد كبير، بما يتيح عقد صفقات عملاقة بعيداً عن اشراف المركز.
هيمنة الحشد على النخيب، وهي منطقة شاسعة استقطعها النظام السابق من محافظة كربلاء وألحقها بمحافظة الأنبار، يمثل في إحدى اسبابه محاولة لعرقلة عبور المشروع من السعودية الى العراق، لأن المنطقة تصل الحدود السعودية بالإقليم «المفترض». البديل في هذه الحالة بحسب بعض المطلعين، هو أن يعود الأردن ممراً للأنبوب، لأن حدوده مع العراق تتصل بالأنبار دون الحاجة للنخيب.
الأمر لا يحتاج الى افتراض ان وجود داعش جاء من أجل هذا المشروع، مهمة داعش أكبر من قضية غاز وخط ناقل له، انما هي لعبة توازنات تركية إيرانية، أو لنقل دولاً سنية وأخرى شيعية في الشرق الأوسط، لكنها كسرت حدود المحلية لتتحول الى غول عالمي خرج عن سيطرة صانعيه الإقليميين، وبات يدفع العواصم الغربية نحو قرارات حاسمة للاسراع باجتثاثه. إلا ان مشروع الاقليم، في الوقت الذي يمثل أحد ملامح صيغة الشرق الأوسط الجديدة والقائمة على توزيع مراكز القرار وكسر المركزيات التقليدية، هو أيضا ممتاز خدمة للمصلحة، ليس الاقتصادية فقط، إنما السياسية أيضاً.
فوجود انبوب غاز لقطر باعتبارها ثالث دولة مصدرة، ويمتد الى أوربا، يمكن أن يعرقل الهيمنة الروسية وبعدها الإيرانية على الأسواق الأوربية، ويقوض بالنتيجة أحد اهم الأسلحة بيد المنافسين للسياسة الأمريكية. خصوصا وان الغاز الروسي يمر الان بمنطقة قلقة هي أوكرانيا، ومحاولاتها لان تستبدلها ببلغاريا باءت بالفشل. لذلك طبيعي جداً، أن نجد الاصرار الأمريكي على أن تكون معركة الانبار وايضا نينوى خارج خيارات الحسم الإيراني، وان هناك استعجالاً حتى لو كان على حساب البنية التحتية للرمادي التي تدمرت بالكامل، بينما هذا الفيتو غير موجود في ديالى وصلاح الدين.
من هنا لا يمكن النظر للحرب الطائفية في الشرق الأوسط على أنها طائفية او عقائدية صرف، ربما جمهورها عقائدي ومذهبي صرف. هي معركة تخفي وراء عقائدها مصالح اقتصادية، الغاز أحد عناصرها. خصوصا ونحن في زمن تقود فيه قطر الدولة الغازية متغيرات عديدة في المنطقة!