"عشق المحبوب لحبيبه" يتسيد حالات الانتحار في العراق

2016/12/27 19:36
عدد القراءات: 2093

بغداد / الغد برس:

سجل العام 2015 زيادة ملحوظة في أعداد المنتحرين بين الذكور والإناث قياسا بالعام 2014، لكن غالبيتها لا ترى النور بسبب لجوء أصحاب الشأن المقربين من الضحية إلى إخفائها والتعبير عنها بقصص وحكايات مختلفة تجنبا لإشاعة الخبر على الملأ، وعند إحصاء تلك الحالات من قبل الجهات المعنية تبين أن "عشق المحبوب لحبيبه"، هو أبرز أسباب الانتحار.

ومن الحب ما قتل

ورغم الخجل والندم الذي يبدو على "منير"، 27 عام إلا أنه روى محاولة انتحاره بقوله لـ"الغد برس"، انه "بعد حب سبع سنوات لأحدى الفتيات التي تسكن في منطقتنا الواقعة في غرب بغداد وبعد تقدمي لها للزواج تم رفضي من قبل أهلها وتحديدا من أمها التي كانت تفرض سيطرتها على كل من في البيت، وبعد محاولات يائسة لم تقتنع والدتها بزواجي منها، ما جعلني أصاب بإحباط شديد لأنها كانت كل شيء في حياتي وعدم زواجي منها يعني الموت، وقررت الانتحار حيث أقفلت الباب على نفسي وقطعت شريان يدي، لكن سرعان ما أكتشف أخي الكبير الأمر الذي سارع لنقلي إلى المستشفى ومعالجتي، وبعدها بأيام اقتنعت أن لا حل سوى تسليم الأمر لله والقبول بالواقع".

زوجة الاب

وبالنسبة لـ( ع . س ) طالبة مرحلة أخيرة في كلية التربية، فقالت لـ"الغد برس"، "إنني أتذكر حالة الانتحار لصديقتي منذ أيام الطفولة (ب . ر)،عندما أقدمت على حرق نفسها بمادة البانزين والحادثة كانت في تموز من العام 2013 في ساعة متأخرة من الليل".

وبينت إن "السبب كان للحالة المزرية التي عاشتها في البيت والتي كانت وراءها زوجة أبيها فهي دائما تحدثني بأن زوجة أبيها تكرهها وتضغط عليها بأعمال البيت وتتشاجر معها كل يوم بسبب أو بغير سبب وكل ذلك أمام أنظار ومسمع والدها، وعند سؤال الأجهزة الأمنية لوالدها بعد الحادث أكد إن ثيابها التف بالمدفئة التي كانت موقده في المطبخ، لكن أنا متأكدة إنه ليس هذا هو السبب وإنما هي من انتحرت لأنها أكدت لي أكثر من مرة أنها ستسلك هذا الطريق لأن فيه خلاصها".

الانتحار وانواعه

تلك الحالة وغيرها سجلتاها مفوضية حقوق الإنسان لتؤكد ان "هنالك زيادة في حالات الانتحار في عموم العراق".

وتقول عضو مجلس المفوضين سلامة الخفاجي لـ"الغد برس"، ان "في العام 2014 سجلنا بشكل رسمي 544 حالة انتحار وفي العام 2015 وحتى نهاية شهر تشرين الثاني سجلنا 607 حالة انتحار من بينها حالات لغير العراقيين كانت للاجئات سوريات في إقليم كردستان، مما يؤشر وجود زيادة عن العام الماضي".

وتضيف الخفاجي إن "الأسباب التي سجلناها مختلفة منها تعود إلى قصص حب انتهت بالفشل ومنها يعود إلى مشاكل الأسرة الواحدة، وتركز حالات الانتحار في مناطق جنوب العراق ومحافظات إقليم كردستان".

وتلفت الخفاجي إلى أن "المفوضية تسعى من خلال برامج تطلقها بين فترة وأخرى تهدف للحد من هذه الظاهرة والوقوف على الأسباب الحقيقية لكن ذلك لا ينجح مالم يكن هنالك تعاون وثيق بين أطراف أخرى كرجال الدين والمنظمات الأكاديمية والثقافية لتسليط الضوء عليها وتعريف الأخريين بآثارها".

وبالنسبة الرائد ( م. م) الشرطة المجتمعية في وزارة الداخلية فضل عدم الكشف عن اسمه لأنه غير مخول بالتصريح في حديثه لـ"لغد برس"، فان "لدى مديريتنا تقارير تأتيها من قبل وزارة الصحة ومن مراكز الشرطة المنتشرة في عموم العراق حول وجود أي حالة انتحار وبعد متابعة تلك التقارير وجدنا أن غالبية المنتحرين هم من النساء بالنسبة للعامين الحالي والماضي وان أعمارهم تتراوح ما بين (17 – 30) عام، وأن طرق الانتحار الأكثر شيوعا ألان في العراق هي عن طريق تناول العقاقير الطبية بكميات كبيرة للنساء، وإطلاق رصاصة على الرأس بالنسبة للرجال، بعد أن كانت سابقا عن طريق الحرق للنساء والشنق بالنسبة للرجال".

ويضيف الرائد ان "بعد التحقيق في الكثير من الحوادث من النادر أن تبين أسرة الضحية أن الموت كان سببه الانتحار خاصة إذا كانت المنتحرة فتاة، بسبب أن العراق لا يزال يخضع للعادات والتقاليد العشائرية التي أذا حدث ووقعت حالة انتحار في أي بيت منها فأن ذلك يعتبر بمثابة انتهاك للشرف والحرمات".

انفتاح العراق هو السبب

وللمختصين في علم النفس رأي في تصاعد هذه الحالة حيث يقول صباح حمودي الأكاديمي في الجامعة المستنصرية، ان "انفتاح العراق على العالم بعد العام 2003 وبشكل كبير من خلال دخول وسائل التكنولوجيا الحديثة وتطورها سريعا التي حولت العراق من نظام مغلق ممنوع فيه كل شيء إلى نظام منفتح مسموح فيه أي شيء مما أدى إلى دفع الكثير من العوائل الابتعاد عن الدين والعادات والتقاليد والأعراف، وازدياد العلاقات الخاطئة التي غالبا ما تكون نتيجتها الفشل بسبب قلة الوعي التي تولد حالات من الاكتئاب والتي ترافقها شيء من الوحدة فلا يوجد سوى التفكير بالانتحار" .

ويلفت حمودي الى ان "حالات الانتحار التي تقع بين صفوف الشباب عادة ما تكون بسبب فشل قصة حب أو ضيق المعيشة وعدم قدرتهم على تحمل المسؤولية لكن ظهرت حالة جديدة وهي الفشل الدراسي، حيث سجلت خلال العام الحالي 11 حالة انتحار لطلاب السادس الإعدادي لفشلهم في الدارسة وعدم مقدرتهم على تخطي عتبة النجاح والحصول على معدل جيد، وهذه ظاهرة خطيرة يجب الانتباه إليها سيما وان ضحاياها في أعمار صغيرة".

هشاشة وضع المرأة داخل المجتمع

إما الاخصائي في مستشفى أبن رشد للأمراض النفسية الدكتور عدي عبد السادة فبين لـ"الغد برس"، ان "لجوء الفتاة إلى الانتحار يعود إلى هشاشة وضعها داخل المجتمع لأنها لا تملك حق اتخاذ القرارات المهمة في حياتها في ظل استمرار سيطرة العائلة، ويفرض عليها القبول بالكثير من الأمور التي تخالف رغباتها الأمر الذي يخلق منها إنسانة ذات شخصية ضعيفة، الأمر الذي يتطلب إن يكون لها رأي ومكانة وصاحب قرار لكن المشكلة ان المجتمع الشرقي بشكل عام والعراقي بشكل خاص يتعمد تهميش هذه الحقيقة".

الى ذلك طالبت رئيسة لجنة المرأة والأسرة والطفولة في مجلس النواب لمى الحلفي الى "فسح المجال أمام المرأة بشكل واسع ليتسنى لها المشاركة في الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية والتنموية لأن في إقصائها تكون هنالك فرصة كبيرة للذهاب إلى خيار الانتحار أكثر من الرجال".

واضافت الحلفي في لـ"الغد برس"، انه "رغم إن الأنباء التي تؤكد اتساع ظاهرة انتحار الرجال والنساء في العراق بشكل كبير، إلا انه لا توجد هنالك أرقام دقيقة أو إحصائيات رسمية تسجل هذه النسبة، لكن المتفق عليه إن هذه الظاهرة حدثت بشكل مخيف في جميع المحافظات، ما يتطلب من منظمات المجتمع المدني المعنية بالأسرة وحقوق الإنسان تفعيل برامج حقيقية تحاكي مشاكل وهموم الشباب والفتيات تكون مدعومة حكوميا ويعمل فيها ذوي الاختصاص وأصحاب تجارب حتى تصل على الأقل إلى حلول قبل وقوع الضحايا في شباك قدر الانتحار".


علق هنا