+A
-A
الغد برس/ متابعة
كشفت دراسة حديثة أجرتها شركة «سلاك» التابعة لـ«سيلزفورس» أن جيل «الألفية» (الموظفون الذين تتراوح أعمارهم بين 28 و43 عاماً) يتصدر المشهد في اعتماد هذه التقنية داخل بيئات العمل اليومية. وتشير النتائج إلى أن واحداً من كل ثلاثة موظفين من هذه الفئة يستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي بشكل يومي، بينما يعتمد ربعهم تقريباً عليها عدة مرات أسبوعياً.
هذه الأرقام لا تعكس مجرد حماسة عابرة لتقنية جديدة، بل تؤكد أن جيل الألفية أصبح القوة الدافعة وراء تحول ثقافي عميق في طريقة استخدام الشركات للتكنولوجيا، خصوصاً في ما يتعلق بزيادة الإنتاجية، وأتمتة المهام، وتوسيع نطاق المسؤوليات التي يتولاها الموظفون.
«الألفية» تتقدم و«زد» تلاحق
على الرغم من تقدم جيل «الألفية» الواضح، فإن أبناء الجيل «زد» لا يبتعدون كثيراً عن الركب، إذ يتبنون هم أيضاً الذكاء الاصطناعي بمعدل أسرع بكثير من زملائهم الأكبر سناً من جيل «إكس» أو جيل «الطفرة السكانية» (ولدوا بين عامي 1946 و1964). لكن الفرق الجوهري أن أبناء الجيل «زد» يميلون لاستخدام هذه الأدوات في الأغراض التعليمية أو الشخصية، بينما يحقق جيل الألفية استفادة مباشرة على مستوى العمل اليومي.
ويوضح لوكاس بونتي، نائب الرئيس لقطاع الأبحاث في «سلاك»، أن الجيل الأصغر أكثر إقبالاً على التجارب الشخصية والتعليمية، لكنه لم يصل بعدُ إلى مرحلة توظيف الذكاء الاصطناعي بانتظام في بيئات العمل. في المقابل، ينجح الألفيون في تحويل هذه الأدوات إلى قوة إنتاجية ملموسة للشركات، ما يجعلهم جسراً مهماً بين التقنية وأهداف المؤسسات.
«الألفية» مصادر تدريب غير رسمية
تكشف الدراسة عن بُعد آخر قد لا يكون ظاهراً للوهلة الأولى، وهو أن جيل «الألفية» قد يمثل أهم مصادر التدريب الداخلي للشركات في المرحلة المقبلة. فمع خبرتهم الكبيرة في بيئات العمل، وإلمامهم المتزايد بقدرات الذكاء الاصطناعي، يمكن أن يساعدوا في تسريع عملية التعلم لدى الموظفين الجدد من جيل «زد»، وتزويدهم بالبصيرة اللازمة لاستخدام هذه الأدوات بحذر وفعالية.
وتعلق جيني سيمنز، الرئيس العالمي لقطاع التعلم المؤسسي في «سيلزفورس» بالقول، إن أحد أهم الدروس التي يمكن أن يقدمها الألفيون لزملائهم الأصغر سناً هو «حُسن التقدير». وتوضح: «لا بد أن يعرف الموظفون الجدد متى يثقون بما ينتجه الذكاء الاصطناعي، ومتى يشككون فيه. هذا يتطلب خبرة عملية عميقة في مجال العمل، وهي خبرة غالباً ما يمتلكها الألفيون أكثر من غيرهم».
التوازن بين الثقة والرقابة
واحدة من أهم التحديات التي تواجه الشركات اليوم هي رسم حدود واضحة لاستخدام الذكاء الاصطناعي. فبينما توفر هذه الأدوات إمكانات هائلة، فإن إدخال البيانات الحساسة في الأنظمة دون ضوابط قد يفتح الباب لمخاطر كبيرة. وهنا يأتي دور الموظفين الأكثر خبرة، الذين يدركون طبيعة البيانات التي يجب مشاركتها والبيانات التي ينبغي حمايتها. هؤلاء قادرون على مساعدة زملائهم الجدد على إدراك الفروق الدقيقة في السياسات المؤسسية، وضمان أن الاستخدام المسؤول للتقنية يعزز الأمان والامتثال، بدلاً من تعريض الشركة لمخاطر غير محسوبة.
العلاقات في عصر الذكاء الاصطناعي
لا تقتصر الدروس التي يقدمها الألفيون على الجانب التقني، بل تمتد إلى بناء العلاقات في بيئات العمل المعقدة. تقول غما كوين، نائب الرئيس للتوظيف العالمي من الجامعات لدى «سيلزفورس»، إن أحد أهم عناصر النجاح للموظفين الجدد هو القدرة على التعاون، سواء مع الزملاء البشر أو مع وكلاء الذكاء الاصطناعي الذين باتوا جزءاً من بيئة العمل الحديثة. وتضيف: «عند انضمام الموظفين الجدد إلى شركات كبرى، فإن الخطوة الأولى الحاسمة هي بناء شبكة من العلاقات. هذه العلاقات تمكّنهم من فهم أعمق لثقافة الشركة وتسهّل عليهم الاستفادة من الأدوات التكنولوجية الجديدة ضمن سياق العمل الجماعي».
تطمينات من جيل «الألفية»
عاش جيل «الألفية» طفرة التكنولوجيات الرقمية منذ بداياتها، ما يمنحه ثقة متزايدة بأن الذكاء الاصطناعي لن يُقصي الموظفين الجدد أو يحد من فرصهم. على العكس، يؤكد الألفيون أن هذه التكنولوجيا ستفتح آفاقاً جديدة للنمو والتعلم. وتوضح كوين: «الذكاء الاصطناعي لن يلغي الوظائف الدنيا، بل سيعمل على تطويرها. بفضل هذه الأدوات، يمكن للموظفين الجدد إنجاز مهام أكثر بكثير مما كان متاحاً قبل بضع سنوات، ما يعزز فرصهم في التقدم الوظيفي بسرعة كبيرة».
وتظهر نتائج الدراسة أن الذكاء الاصطناعي أصبح بالفعل جزءاً لا يتجزأ من بيئة العمل، لكن نجاح المؤسسات في الاستفادة من إمكاناته يعتمد على أكثر من مجرد التبني السريع للتكنولوجيا. إنه يتطلب تعاوناً بين الأجيال، حيث يقود جيل الألفية عملية الدمج ويقدم خبرته للأجيال الأصغر، في حين يجلب جيل «زد» روح الابتكار والفضول. هذه الديناميكية قد تشكل نموذجاً مثالياً للتعلم المتبادل، حيث يستفيد كل جيل من نقاط قوة الآخر، لتبني الشركات ثقافة تكنولوجية أكثر شمولاً واستدامة.
في النهاية، تؤكد دراسة «سلاك» أن جيل الألفية ليس مجرد فئة عمرية وسطى في دورة العمل، بل هو لاعب رئيسي في تشكيل مستقبل العمل الذكي. فهو لا يتبنى الذكاء الاصطناعي فقط، بل يعيد تعريف كيفية دمجه في بيئات العمل بطرق مسؤولة، ومنتجة، وإنسانية.
كلمات مفتاحية :